4- ومن المتفق عليه أن الغريزة الجنسية من أخطر أسلحة الشيطان في إغواء الإنسان، حتى اعتبرتها بعض المدارس النفسية هي المحرك الأساسي لكل سلوك بشري والناظر إلى معسكر الحضارة الغربية اليوم، وما يعاني من انحلال وأمراض يتبين له أن انحراف هذه الغريزة كان وراء كثير من الأوحال التي يرتكس فيها.
وللصوم تأثيره في كسر هذه الشهوة، وإعلاء هذه الغريزة، وخصوصًا إذا دووم عليه ابتغاء مثوبة الله تعالى، ولهذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم للشباب الذي لا يجد نفقات الزواج، حتى يغنيه الله من فضله، فقال:.
"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (رواه البخاري عن ابن مسعود في كتاب الصوم وغيره، ومسلم 1400). والباءة: كناية عن النكاح، والوجاء: الخصاء، والمراد: أنه يضعف الشهوة إلى النساء.
5- ومن حكم الصوم: إشعار الصائم بنعمة الله تعالى عليه، فإن إلْف النعم يفقد الإنسان الإحساس بقيمتها، ولا يعرف مقدار النعمة إلا عند فقدها، وبضدها تتميز الأشياء.
فإنما يحس المرء بنعمة الشِّبَع والرِّيّ إذا جاع أو عطش، فإذا شبع بعد جوع، أو ارتوى بعد عطش، قال من أعماقه: الحمد لله، ودفعه ذلك إلى شكر نعمة الله عليه. وهذا ما أشير إليه في حديث رواه أحمد والترمذي، قال فيه صلى الله عليه وسلم: "عَرَضَ عليّ ربي ليجعلَ لي بطحاءَ مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب، ولكني أشبع يومًا، وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك!" (رواه أحمد والترمذي عن أبي أمامة، وحسنه السيوطي تبعًا للترمذي، فاعترضه المناوي بأن في سنده ثلاثة ضعفاء).
6- وهناك حكمة اجتماعية للصيام (وخصوصًا صيام رمضان): أنه - يفرض الجوع إجباريًا على كل الناس، وإن كانوا قادرين واجدين - يوجد نوعًا من المساواة الإلزامية في الحرمان، ويزرع في أنفس الموسرين والواجدين الإحساس بآلام الفقراء والمحرومين. أو كما قال ابن القيم: يذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين.
وقال العلامة ابن الهمام: إنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات، ذكر من هذا حاله في عموم الأوقات، فتسارع إليه الرقة عليه (فتح القدير -42/2).
وفي هذا التذكير العملي الذي يدوم شهرًا، ما يدعو إلى التراحم والمواساة والتعاطف بين الأفراد والطبقات بعضهم وبعض، ولهذا رُوي في بعض الأحاديث تسمية رمضان "شهر المواساة" (روى ذلك من حديث سلمان عند ابن خزيمة في صحيحه، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان). وكان النبي صلى الله عليه وسلم فيه أجود بالخير من الريح المرسلة (فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما).
ومن أجل هذا كان من أفضل ما يثاب عليه: تفطير الصائم، وفي الحديث: "من فطر صائما كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا" (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن زيد بن خالد، كما في صحيح الجامع الصغير -6415).
7- وجماع ذلك كله: أن الصيام يعدّ الإنسان لدرجة التقوى، والارتقاء في منازل المتقين، يقول الإمام ابن القيم:
(وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها، أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) - (البقرة :185- زاد المعاد 29/2).
والحق أن صيام رمضان مدرسة متميزة، يفتحها الإسلام كل عام، للتربية العملية على أعظم القيم، وأرفع المعاني، فمن اغتنمها وتعرض لنفحات ربه فيها، فأحسن الصيام كما أمره الله، ثم أحسن القيام كما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد نجح في الامتحان، وخرج من هذا الموسم العظيم رابح التجارة، مبارك الصفقة، وأي ربح أعظم من نوال المغفرة والعتق من النار؟.
روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه.. ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (متفق عليه من حديث أبي هريرة).