كثرت الأقوال حول علاقة ملوك بني الجلندى بمنطقة توام ( البريمي ) فقد أعتدنا ان نقرأ ما كتبه البعض في مؤلفات حديثة نصوصا تذكر ان توام هي عاصمة ملكي عمان وهي مقر الحكومة في زمنهما ، و ان صحار عاصمة تجاريه وليست عاصمة رسميه لوجود الفرس بها، ويقول آخرون ان توام قد جعلها بنو الجلندى كرسي مملكتهم وعرش زمانهم .وللرد على هذه الإستنتاجات من قبلهم سوف نفند آرائهم بما توفر لدي من المعلومات من كتب التاريخ العمانية والعربية القديمة وكذلك من كتب اللغة وغيرها من كتب الأدب العربي .
تمهيــــــــــــــــد :
يلاحظ القارئ الكريم من خلال أختياري لهذا العنوان الموسوم : بـ (بادية الأسياف ونازلة الأجواف مما حازت صحار ) هو توجيه أنظارهم إلى المناطق التي تشتمل عليها مدينة ( صحار ) العريقة منذ القدم والتي كانت عاصمة سياسية وتجارية لملوك عمان من آل الجلندي ، وهذا العنوان مقتبس من نص كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وفدي ثمالة والحدان من أهل عمان وهذا نصه :
(هذا كتاب من محمد رسول اللـه لبادية الأسياف ونازلة الأجواف مما حازت صحار ليس عليهم في النخل خراص ولا مكيال مطبق حتى يوضع في الفداء وعليهم في كل عشرة أوساق وسق ) وكاتب الصحيفة ثابت بن قيس بن شماس شهد سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة .
ومعنى الأسياف هو جمع سيف البحر ، قال ( أبن منظور ) في كتابه ( لسان العرب ) ، باب ( السين ) مادة ( أستاف ) :
(هُدَّابِها السِّيفُ ساحل البحر والـجمع أَسياف وحكى الفارسي أَسافَ القومُ أَتوا السِّيفَ ابن الأَعرابـي الـموضع النَّقِـيُّ من الـماء ومنه قـيل درهم مُسَيَّفٌ إِذا كانت له جوانبُ نَقِـيَّة من النَّقْسِ وفـي حديث جابر فأَتـينا سِيفَ البحر أَي ساحله السِّيفُ موضع )
ومعنى ( الأجواف ) هو جمع ( جوف ) (وجَوف كل شيء: باطنه. وطَعَنَه فجافَه يجوفه جَوفاً، والطعنة الجائفة: التي قد وصلت إلى الجَوف. وجمع جَوف أجواف.)
وهناك عدة مناطق تسمى ( الجوف ) مثل الجوف من ارض مراد باليمن ، الجوف كانت مسمى لليمامه ، والجوف موضع من ارض عاد وتسمى جوف حمار نسبة إلى حمار ابن مويلع من بقايا عاد مشرك متمرد ، و جوف الحميله وقيل الخميله وتعرف بجو جواده وهي توام وهي التي كانت تضم حاليا محضه والبريمي والعين وحفيت والسنينه إلى الختم وما جاورها ، وهي الأرض التي هلك فيها ( سامة ابن لؤي ) بعدما نهشت ساقه أفعى فقيل فيه :
عين بكى لسامة ابن لؤي == حملت حتفه إليه الناقه
لا أرى مثل سامة بن لؤي == علقت ساق سامة العلاقه
رب كأس هرقتها ابن لؤي == حذر الموت لم تكن مهراقه
( 1 )
فبادية الأسياف ونازلة الأجواف كما ورد في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وفدي ثمالة والحدان هي مما حازته مدينة صحار وليس غيرها من المدن كما هو متبادر إلى الأذهان .
ومعنى ذلك ان كل مناطق البادية والتي تعرف ( ببادية الأسياف ) وكل من نزل الأجواف هي ما حازته مدينة صحار وكانت تابعة لها ، ولا تاويل وتفسير يعلى على تاويل وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أوتي جوامع الكلم .
وسوف نباشر بسرد الأدلة الواضحه على حسب الوقائع التاريخية التي نثبت من خلالها أن العاصمة السياسية والتجارية لملوك عمان من آل الجلندي أنما هي ( صحار ) وما بادية الأسياف ونازلة الأجواف ومنها ( جوف الحميله / الخميلة / جواده / توام ) إلا من المناطق التي حازتها مدينة صحار التاريخيه .
معنى أسم صحار :
صحار بالضم و أخره راء أخذ من الصحرة ، وهي جوبة تنجاب في الحرة وتكون ارضا لينة نظيفة بها حجارة والجمع صحر ، وهناك معان كثيرة للصحر ، ولكن الأغلب أن صحار أخذت مما تقدم لأن ارضها ينطبق عليها المعنى المشار إليه ، وقيل ان صحار سميت صحار بصحار ابن إرم بن سام بن نوح وهو أخو رباب وطسم وجديس . ( 2 )
أهمية صحار عبر التاريخ :
ذكرت صحار في المصادر التاريخية بانها مدينة حصينة على ساحل البحر فقد كانت تسمى ( ماجان ) في عصور ما قبل الميلاد ، وكانت مركزا لاستخراج وتصدير النحاس إلى دول العالم القديم ونسبة إليها سميت عمان قديما "مجان" والذي يعنى جبل النحاس. وكانت تحت حكم الأمبرطوريه العربيه ( الأكاديه ) زمن الملك ( نارام – سين ) سنة 2334 – 2154 قبل الميلاد ، وكانت تعرف في زمن ملوك الأخمينيين والذين يطلق عليهم الفرس الأوائل والذين حكموا من سنة 550 – 330 قبل الميلاد بأسم ( ماكا ) ومن المعلوم ان الفرس كان يتركز حكمهم على الساحل . ( 21 )
ودلت الأكتشافات الأثريه عن وجود أزدهار أقتصادي لصحار من مئات السنين حيث كانت هناك مستوطنات صناعيه للنحاس ، ودلت نتائج المسح الأثري ان اكبر مناجم النحاس قد وجدت في الجبال الواقعه خلف صحار وتبعد عن الساحل حوالي 30 كيلو مترا فقط وهذا بدوره يعطي لموقع صحار أهمية ويعتبر عاملا من عوامل نجاح أزدهارها الحضاري قبل وبعد الإسلام ( 22 )
و أشارت النصوص الأكادية بأن مجان هي مصدر إنتاج النحاس الذي اعتمد عليه اقتصاد بـلاد الرافدين خلال الألف الثالث قبل الميلاد، وقد اكتشف العديد من مناجم النحاس القديمة في عمان مثل : " عرجا، الأسيل، طوي عبيله، سمده، السياب، البيضاء، الواسط " كما عثر على أفران ومخلفات الصهر وسبائك النحاس الخام وبتحليل نفايات النحاس من مواقع صهره في عمان, تبين أن تاريخ صناعته يعود إلى 4500 عام من الآن، ويتوافق هذا التاريخ تماما مع بداية المرحلة التي ازدهر فيها إقليم مجان.وتنبع اهمية صحار كعاصمة لملوك بني الجلندي كونها سوقا مهمة من أسواق العرب وكانت تقوم لعشر يمضين من رجب الفرد خمسة أيام ،و سوق صُحار وتقع في عمان على شاطئ البحر، وصحار أعمر مدينة في عمان وأكثرها مالاً، وهي مدينة طيبة الهواء والماء كثيرة الفواكه والخيرات. مبنية بالآجر وخشب الساج، وكانت السلع تجلب إليها من مختلف أقطار الجزيرة العربية، والبيع فيها بإلقاء الحجارة. وتقيم العرب في هذه السوق من العاشر من رجب إلى الخامس عشر منه بعد انقضاء سوق حُباشة، وقد تمتد إلى ما بعد ذلك. وليست صحار من الأسواق العامة، بل هي سوق تجارية محضة. وقال ( اليعقوبي ) : ثم صحار يقوم في رجب في اول يوم من رجب ولا يحتاج فيها إلى خفارة ثم يرتحلون من صحار إلى ( ريا ) - ولعله يقصد ( دبا ) - يعشرهم فيها الجلندى و آل الجلندى ، وقيام السوق في شهر رجب يغني قاصدها عن الحماية لأن رجب من الأشهر الحرم. وقد زارها العربي الفلسطيني "المقدسي" في القرن العاشر الميلادي ووصفها بأنها بوابة الشرق وقال انها : " مدينة مزدهرة ويقطنها عدد كبير من السكان كما إنها مدينة جميلة ومريحة العيش، أحياؤها السكنية مميزة على طول الشاطئ، والمسجد كان يطل على البحر والمآذن مرتفعه..."وقال المقدسي أيضا "صحار هي مدخل الصين ومخزن العراق والشرق ومعبر اليمن". وكذلك قال عنها الأصطخري في كتابه (المسالك والممالك) " بأنه لا يمكن أن توجد على الخليج ولا في بلاد الإسلام مدينة أكثر غنى وجمالاً من صحار ". ( 3 )
فهذا الذي عرضناه يدل على ان صحار كانت توجد فيها مقومات العاصمة السياسية والتجاريه وفيها مقر الحكم وسوف نبين ذلك عند أستعراضنا لأهمية صحار كعاصمة لعمان قبل الإسلام وبعده .
أثبات أن صحار هي العاصمه التجاريه والسياسيه قبل الميلاد وبعده :
أن الأدلة التاريخيه منذ أن سكن العرب عمان قبل وجود الفرس وقبل وصول مالك بن فهم الأزدي تبرهن ان صحار كانت هي العاصمه السياسيه والأقتصاديه لجميع الملوك العرب الذين كانوا موجودين في عمان
الدليل الأول :
صحار في حقبة حكم ملوك بلاد الرافدين والفرس :
كانت صحار يطلق عليها أسم ( ماجان ) أو جبل النحاس وكان لماجان علاقات عبر البحر مع بلاد الرافدين تجاوزت الصلات التجارية والإقتصادية إلى التأثير الديني وتشير الأسطورة السومرية ( إنكى ونينهو- ساج ) إلى أن إسم المعبود الرئيسي في ماجان المدعو(لت- نينولتا) كان أسما سومريا. وكان الشعراء والكتاب السومريون يتباهون بأن معبودهم ( إنكى ) هو الذي اختار ( لت- نينولتا ) معبودا لماجان .
وكانت تحت حكم ملك من أهل المنطقه يسمى ( مانيؤم ) أو ( مانئيم ) أو ( مانو دانو ) وقد كان يحكم عمان بأكملها ويعني أسمه بالعربية ( معن ) -كما ذكر ذلك الدكتور حسن ظاظا في كتابه ( الساميون ولغاتهم ) صفحة ( 106 ) - حتى سقطت ( ماجان ) في عهد الملك الأكادي العربي ( نارام – سين ) 2260 – 2223 قبل الميلاد وتم أسر الملك العماني ( مانو دانو )، ومن المهم ان نعرف ان الأقوام الذين كانوا يعيشون في منطقة الساحل الشرقي والجنوب الشرقي من الجزيره العربيه ايام حكم الأكاديين إلى أيام حكم الأشوريين و الباليين المتأخرين ( الكلدانيين ) كانوا من العرب و اغلب المصادر التي تتحدث عن وجودهم مكتوبة باللغة الأكاديه ( الأرامية الشرقية ) وتدل الأسماء الشخصيه و أسماء المعبودات على عروبة هؤلاء الأقوام . و أبان حكم الأخمينيين الفرس الأوائل كانت صحار تعرف بأسم ( ماكا ) أو ( مكاش ) أو ( مكش ) وكانت على ساحل البحر حيث يتركز حكم الأخمينيين وكان بها قوم من العرب وهذا دليل على ان سكان ماكا من العرب ويفهم من بعض الروايات العربيه والأسلاميه أن الوجود العربي كان قديما في عمان بل أرجعه البعض إلى عهد سليمان عليه السلام .
كما كانت ( شبه جزيرة عمان ) – الإمارات والأجزاء الشمالية من سلطنة عمان - تحت حكم ملك ميسان العربيه المعروف بأسم ( ميراداتيس ) والتي ذكر في نص كتاب التاريخ الطبيعي لبليني المؤرخ الروماني انه لقب بأسم ( ملك العمانيين ) على العملات النقديه ، ومن المرجح ان العمانيين الموجودين في جنوبي بلاد الرافدين حيث مملكة ميسان ترتبط بهجرة قبيلة الأزد اليمنيه إلى هناك خاصة أن الأزد هاجروا إلى عمان أولا ثم تحول قسم منهم إلى العراق ومن المحتمل ان هذه الهجره كانت قبل العهد الساساني وربما كانت في العهد البارثي . ( 4 )